ترجمة كتاب “مسلمو مملكة غرناطة”

ترجمة كتاب “مسلمو مملكة غرناطة” لعالم الاجتماع باروخا

المصدر : omandaily.om

حظيت الدراسات الموريسكية باهتمام خاص في العالمين الإسلامي والغربي، نظرًا لارتباطها بمأساة المسلمين في الأندلس بعد سقوطها، وما شهده التاريخ العلمي والفكري والإنساني من تدمير.
وفي هذا السياق صدر عن المركز القومي المصري للترجمة كتاب «مسلمو مملكة غرناطة بعد عام 1492م»، لعالم الاجتماع الإسباني الشهير خوليو كارو باروخا، وهو من ترجمة جمال عبدالرحمن.
وتأتي أهمية هذا الكتاب كونه سباقا في مجال الدراسات الموريسكية، ومن حرص مؤلفه على التزام الحيدة فيه عند الحديث عن التفاصيل الخاصة بسقوط مملكة غرناطة، أهم ممالك المسلمين في الأندلس، وما عاناه سكانها المسلمون آنذاك من تطهير.
وبحسب الناشر، يمثل هذا الكتاب أحد المراجع التي لا غنى عنها في تاريخ الأندلس بعد سنة 1492م التي شهدت سقوط غرناطة الإسلامية، حيث يتعرض المؤلف لقضية التراث الإسلامي لغرناطة، رغم رحيل المسلمين عنها طوعا أو كرها، ويؤكد -تفنيدا لرأي من ينفي تلك الصلة- أن التراث الإسلامي لم يفارق غرناطة أبدا، فالوثائق تبين عودة الكثيرين من أهل غرناطة إلى بيوتهم بعد طردهم منها.

وينقسم الكتاب إلى أربعة مباحث هي: سقوط غرناطة ومعاهدة التسليم، وسياسة الاضطهاد بعد سقوط غرناطة وبداية المقاومة، واستمرار الاضطهاد بعد عهد الملكين الكاثوليكيين، والمقاومة السلبية والتشبث بالعقيدة والثقافة العربية الإسلامية.
ويقول المترجم: إن باروخا ألف هذا الكتاب في وقت لم تكن فيه الدراسات الموريسكية قد حظيت بالاهتمام الذي تحظى به الآن، ما جعله أحد الرواد في هذا المجال، وأن كثيرا من الباحثين ساروا على نهجه، إذ يندر أن نجد بحثا عن الموريسكيين يخلو من إشارة إلى كتاب باروخا.
ويضيف إن المؤلف لا يسعى إلى معالجة مشكلة مسلمي الأندلس في مجملها، وإنما يكتفي بدراسة ما حل بأهل غرناطة في إسبانيا قبيل غزو مملكتهم الإسلامية وبعده، ثم ما تعرضوا له في منفاهم الإجباري، ورغم ذلك فإن معظم ما ذكره المؤلف ينطبق على مسلمي الأقاليم الأخرى في إسبانيا، إذ يتمسك المسلمون بدينهم ويبذلون الغالي والنفيس في الذود عنه، ويتحايلون في سبيل استمرار ممارستهم لشعائر الإسلام.
ويشير إلى أن باروخا يحاول في مقدمة الكتاب الاقتراب من مصطلح «نقاء الدم» حتى يمكن للقارئ أن يفهم بعدا جديدا للمشكلة الموريسكية، فالموريسكي -حتى لو أصبح مسيحيا مخلصا- سيظل ابنا لسلالة غير مسيحية، وبالتالي «غير نقي الدم»، أي سيظل في وضع «أقل شأنا» بالنسبة للمسيحيين القدامى. ويوضح أن هذه المعلومة -التي لا يكاد يتعرض لها أحد بشكل موضوعي- تظهر أن كل مسلمي الأندلس -سواء من تنصر منهم حقيقة أو من حافظ على إسلامه في الخفاء- قد تعرضوا لمحنة.

ويرى أن أهم جوانب الكتاب هو توقفه عند قضية التراث الإسلامي لغرناطة رغم رحيل المسلمين عنها طوعا أو كرها، فانتماء التراث الغرناطي بشكل أو بآخر إلى الحضارة العربية الإسلامية كان أمرا لا يقبل الجدل حتى وقت قريب، ولكن هناك من حاول تبسيط المسألة وزعم أن أهل غرناطة المسلمين قد تم ترحيلهم إلى مناطق إسبانية أخرى وتم استبدال مواطنين من الشمال الإسباني بهم.
ويضيف المترجم إن باروخا يؤكد في هذا الكتاب المرة تلو المرة أن الأمر لم يكن بهذه البساطة، وأن التراث الإسلامي لم يفارق غرناطة أبدا، فالوثائق تؤكد عودة الكثيرين من أهل غرناطة إلى بيوتهم بعد طردهم منها، ولو أن تلك العودة كانت بعيدا عن أعين رجال السلطة. ويستدل باروخا في ذلك بالتشابه الواضح بين عادات أهل غرناطة وأهل المغرب العربي في المأكل والملبس والمعاملات والزخرفة.

ويبين المترجم أن المؤلف يشير إلى خطأ المؤرخين الإسبان القدامى، ويذكر أن الظروف السياسية في القرنين السادس عشر والسابع عشر كانت تحول دون أن يكتب المؤرخون بموضوعية. إذ يشير باروخا إلى أن المؤرخين الإسبان قد حذفوا من مذكرة نونييث مولاي كل العبارات التي تهاجم الكنيسة.
ويلفت المترجم النظر إلى أن المؤلف حاول الربط بين الواقع الاجتماعي في شمال إفريقيا ووضع الموريسكيين في إسبانيا. فإذا كان فهم قضية مسلمي غرناطة ضروريّ لفهم تاريخ إسبانيا بكل أبعاده، فإن دراسة «الآخر»، أي المسلم المغاربي، تعد وسيلة ضرورية لفهم تاريخ الموريسكيين، وبالتالي لفهم التاريخ الإسباني بشكل موضوعي.
ويشير إلى أن باروخا ركز على جانب لم يهتم به أحد، وهو جانب العلاقات الطيبة التي ربطت بين مسلمين ومسيحيين في إسبانيا حتى بعد سقوط غرناطة، وكيف أن هذه العلاقات كان لها أثر في تخفيف وطأة الحياة على المسلمين الذين كانوا يتعرضون لملاحقة محاكم التفتيش، ويستشهد بالرسالة التي بعث بها موريسكي من الجزائر إلى صديق مسيحي في إسبانيا.

ويشرح خوليو كارباروخا في كتابه كيف أن الطابع الأندلسي يبرز واضحا على مستوى المعمار في مدن «الأطلسي» قراه والمناطق الجبلية بالمغرب، وكذلك على مستوى صناعة الملابس والحلي والثياب وصناعة الخزف والزراعة وغيرها، ويضيف إن الرحالة الذين يأسفون على طرد الموريسكيين يجدون كثيرا من الآثار الموريسكية في كل مكان، الأمر الذي يجعلنا نتكلم عن «أسطورة موريسكية» في الأندلس تنتشر بين الناس لدرجة توغلها في أوساط الشعب.
يذكر أن لخوليو كارو باروخا مؤلفات عدة، منها: «تزييف التاريخ»، و«محاكم التفتيش والشعوذة»، و«إقليم نابارا في القرن الثامن عشر»، و«اليهود في إسبانيا في العصر الحديث». وعمل باروخا أستاذا بجامعة مدريد ومديرا لمتحف الشعب الإسباني، واختير عضوا بأكاديمية اللغة الإسبانية وبالأكاديمية الملكية للتاريخ، ونال جائزة الدولة في الآداب (إسبانيا)، وجائزة أمير أستورياس في العلوم الاجتماعية.